الشيخ السبحاني
455
بحوث في الملل والنحل
والأعراض وهو سبحانه فوق الممكنات والمادّيات . هذا ما استدلّ به القاضي تبعاً لمشايخه . ثمّ أجاب عمّا ربّما يتمسّك به المجوّز من أنّه يمكن أن نرى القديم تعالى بحاسّة سادسة من دون الحاجة إلى المقابلة . وقال : إنّه لو جاز أن يرى القديم بحاسّة سادسة لجاز أن يذاق بحاسّة سابعة ، وأن يلمس بحاسّة ثامنة ، وأن يشمّ بحاسّة تاسعة ، ويسمع بحاسّة عاشرة . تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً . « 1 » أقول : كان على القاضي أن يعترض أيضاً بأنّ الرؤية بحاسّة سادسة مضافاً إلى أنّه رجم بالغيب ، خروج عن الموضوع . وأمّا السمعيّة : فقد استدلّ القاضي بقوله تعالى : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » « 2 » . قال : « وجه الدلالة في الآية هو ما قد ثبت من أنّ الإدراك إذا قرن بالبصر ، لا يحتمل إلّا الرؤية . وثبت أنّه تعالى نفى عن نفسه إدراك البصر ، ونجد في ذلك تمدّحاً راجعاً إلى ذاته . وما كان نفيه تمدّحاً راجعاً إلى ذاته كان إثباته نقصاً ، والنقائص غير جائزة على اللَّه تعالى في حال من الأحوال . ثمّ قال : فإن قيل : أليس يقولون : « أدركت ببصري حرارة الميل » فكيف يصحّ قولكم إنّ الادراك إذا قرن بالبصر لا يحتمل إلّا الرؤية ؟ أُجيب بأنّ هذا ليس من اللّغة في شيء ، وإنّما اخترعه ابن أبي بشر الأشعري ليصحّح مذهبه
--> ( 1 ) . شرح الأُصول الخمسة : ص 248 - 253 . ( 2 ) . الأنعام : 103 .